حيدر حب الله

147

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

نحن به النسخ الذي نؤمن به عندنا . وثانياً : بجواب حَلّي ، وهو أنّ الحكم الأوّل منذ تحقّقه في عالم الجعل القانوني وإبرازه للمكلَّفين كان في عالم ثبوته في علم الله مقيّداً بزمان خاص ، والبداهة قائمة على دور الأزمنة - كالأمكنة - في ملاكات ومصالح الأحكام ، غايته لم يُبرز المولى لنا التقييدَ الزماني إلا بعد حين ؛ وذلك لمصلحة قد تكون في إيهام المكلّف بخلود التكليف مما يجعل له محرّكيّة أعمق ليكون الموقف أشبه شيء بالتورية على حدّ تعبير أمثال المحقّق العراقي « 1 » ، لا كذباً ؛ لأنّ المتكلّم لم يبرز قيد الخلود ، لا أنّه أبرزه فكذب بذلك علينا . وعليه ، فيكون الحكم الأوّل على صلاحه في دائرته الزمنيّة والحكم الثاني على صلاحه فيما بعد زمن الحكم الأوّل ، من دون لزوم الجهل وخلاف الحكمة عليه سبحانه . ومن هنا ، تتضح حكمة النسخ ، وأنّه أمرٌ ضروريّ في التشريع أحياناً ، تبعاً لطبيعة دور الظروف والأزمنة في الحكم ، وهذا ما نصّت عليه الآية الكريمة : ( ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ( البقرة : 106 ) ، من أصلحيّة الحكم الجديد أو لا أقلّ مماثلته لما سبق ، بناءً على كون هذه الآية بصدد الحديث عن النسخ التشريعي . هذا ما طرح في الموضوع ، والذي يبدو لي أنّ النسخ لا يواجه أيّ مشكلة بحسب تفسيرنا له ؛ لأنّ النسخ ليس سوى وجود تشريعات زمكانيّة في ضمن التشريعات الدينيّة ، وأنّ التشريعات الزمكانيّة قد بانت لنا في عصر الوحي ، وأنّه لا يمكن لأيّ

--> ( 1 ) انظر : العراقي ، مقالات الأصول 1 : 485 ؛ ونهاية الأفكار 1 - 2 : 552 ، 556 .